ابن خلكان

53

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

يا ربّ قد حلف الأعداء واجتهدوا * أيمانهم أنني من ساكني النّار أيحلفون على عمياء ويحهم * ما ظنّهم بقديم العفو غفّار وكتب إلى الوليد بن عبد الملك كتابا يخبره فيه بمرضه ، وكتب في آخره : إذا ما لقيت اللّه عنّي راضيا * فإنّ سرور النفس فيما هنالك فحسبي حياة اللّه من كل ميّت * وحسبي بقاء اللّه من كل هالك لقد ذاق هذا الموت من كان قبلنا * ونحن نذوق الموت من بعد ذلك وكان مرضه بالأكلة وقعت في بطنه ، ودعا بالطبيب لينظر إليها ، فأخذ لحما وعلقه في خيط وسرّحه في حلقه وتركه ساعة ثم أخرجه وقد لصق به دود كثير . وسلط اللّه تعالى عليه الزمهرير ، فكانت الكوانين تجعل حوله مملوءة نارا وتدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحس بها ؛ وشكا ما يجده إلى الحسن البصري رضي اللّه عنه فقال له : قد كنت نهيتك ألّا تتعرض إلى الصالحين فلججت ، فقال له : يا حسن ، لا أسألك أن تسأل اللّه أن يفرج عني ، ولكني أسألك أن تسأله أن يعجل قبض روحي ولا يطيل عذابي ، فبكى الحسن بكاء شديدا . وأقام الحجاج على هذه الحالة بهذه العلة خمسة عشر يوما ، وتوفي في شهر رمضان ، وقيل في شوال سنة خمس وتسعين للهجرة وعمره ثلاث ، وقيل أربع وخمسون سنة ، وهو الأصح . وقال الطبري في تاريخه الكبير : توفي الحجاج يوم الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة خمس وتسعين ، وقال غير الطبري « 1 » : لما جاء موت الحجاج إلى حسن البصري سجد للّه تعالى شكرا ، وقال : اللهم إنك قد أمتّه فأمت عنا سنّته . وكانت وفاته بمدينة واسط ودفن بها ، وعفّي قبره وأجري عليه الماء ، رحمه اللّه تعالى وسامحه . وكان قد رأى في منامه أن عينيه قلعتا ، وكانت تحته هند بنت المهلب بن أبي صفرة الأزدي - وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - وهند بنت أسماء بن

--> ( 1 ) خبر سجود الحسن عند موت الحجاج ورد في العقد 5 : 49 .